السيد صادق الموسوي

30

تمام نهج البلاغة

بحوثا من التوحيد لم تكن تخضع في الخطابة إلا لمثله ، فهي فلسفة سامية لم يعرفها الناس قبله ، فدانت لبيانه وسلست في منطقه وأدبه . . وخاض في أسرار الكون ، وطبائع الناس ، وتشريح النفوس ، وبيان خصائصها وأصنافها ، وعرض لمداخل الشيطان ومخارجه ، وفتن الدنيا وآفاتها ، في الموت وأحواله ، وفي بدء الخلق ، ووصف الأرض ، وفي شأن السماء وما يعرج فيها من أملاك ، وما يحفّ بها من أفلاك ، كما عرض لملك الموت ، وأطال في وصفه . وخطب عليّ في السياسة ، وفي شؤون البيعة والعهد والوفاء ، واختيار الأحقّ وما أحاط بذلك من ظروف وصروف ، كتحكيم صفّين وما تبعه من آثار سيئة وتفرّق الكلمة . ولم يفته أن ينوهّ في خطبه بأنصار الحقّ ، وأعوان الخير ، والدعوة إلى الجهاد ، وفيها محاجهّ للخوارج ، ونصحه لهم ولأمثالهم باتّباع الحق . وغير ذلك مما يكفي فيه ضرب المثل ، ولفت النظر . غير أن ناحية عجيبة امتاز بها الإمام ، هي ما اختصّ بها الصفوة من الأنبياء ومن على شاكلتهم ، كانت تظهر في بعض تجليّاته ، وأشار إليها في بعض مقاماته ، ولم يسلك فيها سواه إلّا أن يكون رسول اللّه صلوات اللّه عليه ، فقد ذكر كثيرا من مستقبل الأمّة ، وأورد ما يكون لبعض أحزابها كالخوارج وغيرهم ، ومن ذلك وصفه لصاحب الزنج وذكر الكثير من أحواله ، وذلك من غير شكّ لون من الكرامات . هذا إلى أنه طرق نواحي من القول كانت من خواصّ الشعر إذ ذاك ، ولكنه ضمّنها خطبه ، فوصف الطبّ ، وعرض للخفّاش وما فيه من عجائب ، والطاوس وما يحويه من أسرار ، وما في الإنسان من عجائب الخلق ، وآيات المبدع الحق . وأحيلك في ذلك كله على « نهج البلاغة » . وهكذا تجد في كلام علي ، الدين والسياسة ، والأدب ، والحكمة ، والوصف العجيب ، والبيان الزاخر . هذا كتاب علي إلى شريح القاضي يعظه ، وقد اشترى دارا ، ويحذرّه من مال المسلمين ، في معان عجيبة ، وأسلوب خلّاب . وهذا كتابه إلى معاوية يجادله في الأحقّ بالخلافة ، وقتل عثمان ، في معان لا يحسنها سواه . وتلك كتبه إلى العاملين على الصدقات يعلّمهم فيها واجباتهم في جميع ملابساتهم . وذلك عهده إلى محمد بن أبي بكر حين قلدّه مصر ، [ وعهده للأشتر ] . وتلك وصيته إلى الحسن عند منصرفه من صفّين لم يدع فيها معنى تتطلبّه الحياة لمثله إلّا وجهّه فيها أسمى توجيه ، في فلسفة خصيبة ، وحكم رائعة مفيدة ، وكل تلك النواحي والأغراض في معان سامية مبسّطة ، يعلو بها العالم الربّاني الغزير ، والروح السامية الرفيعة ، وتدنو بها القوة الجبّارة على امتلاك أزمّة القول ، كأنّما نثل كنانته بين يديه فوضع لكل معنى لفظة في أدقّ استعمال . ولقد يضيق بي القول فأقف حائرا عاجزا عن شرح ما يجول بنفسي من تقدير تلك المعاني السامية ، فيسعدني تصوير الإمام له وهو يقدّم « نهج البلاغة » ، فكان يخيّل إليّ في كل مقام أن حروبا شبّت ، وغارات شنّت ، وأن للبلاغة دولة ، وللفصاحة صولة . أما الأسلوب فيتجلى لك بما يأتي : ( 1 ) الثروة من الألفاظ العربية في مفردها وجمعها ، ومذكّرها ومؤنّثها ، وحقيقتها ومجازها . ( 2 ) المجازات والكنايات في معرض أنيق ، وقالب بديع .